منذ مطلع كل عام، اعتاد الكوبيون–الأميركيون في مدينة ميامي أن يجتمعوا حول طقس رمزي متوارث: حفلة شواء خنزير، ونخب يُرفع بعبارة ثابتة تكاد تكون نشيد المنفى: «العام المقبل في هافانا».
تعود جذور هذه العادة إلى عام 1959، حين استولى فيدل كاسترو على السلطة في كوبا، ودفع موجات واسعة من الكوبيين إلى الهجرة القسرية. في ذلك الوقت، لم تكن العبارة مجرد حنين، بل تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن النظام الشيوعي الوليد لن يصمد طويلًا، وأن العودة باتت قريبة. غير أن صلابة حكم كاسترو، واستمراره لعقود، بددت هذا الأمل تدريجيًا، وحوّلت النخب السنوي من وعد بالعودة إلى ذكرى مثقلة بالحنين وخيبات الانتظار.
لكن هذا العام، كما تشير مجلة «إيكونوميست»، بدا مختلفًا على نحو لافت. ففي الوقت الذي خرج فيه الفنزويليون، وهم ثاني أكبر جالية منفية في ميامي، إلى الشوارع احتفالًا باعتقال نيكولاس مادورو في عملية أمريكية ليلية وُصفت بالاستثنائية في الثالث من يناير، علت هتافات الجالية الكوبية بدورها. لم يكن المشهد احتفالًا بفنزويلا وحدها، بل تعبيرًا عن أمل دفين بأن يكون الدور قد اقترب على من يحمّلونهم مسؤولية بؤس كوبا ودفع نحو ربع سكانها إلى الهجرة خلال السنوات الأخيرة. وبرز هذا الشعور في تغريدة للنائب الجمهوري الكوبي–الأميركي كارلوس خيمينيز، كتب فيها: «تغمرنا العاطفة والأمل».
أثر مادورو… وعدوى السقوط المحتمل
ترى المجلة أن بعض المنفيين الأكثر حماسة شبّهوا اعتقال مادورو بسقوط جدار برلين عام 1989، معتبرين إياه لحظة مفصلية قد تفتح الباب أمام إسقاط أنظمة يسارية أخرى في أميركا اللاتينية. غير أن هذا الحماس لا يستند فقط إلى الحدث الفنزويلي بحد ذاته، بل يتغذى أيضًا على إشارات سياسية صدرت من واشنطن توحي بأن كوبا قد تكون الهدف التالي.
ففي المؤتمر الصحافي الذي عُقد في مار-آ-لاغو عقب اعتقال مادورو، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو: «لو كنت أعيش في هافانا وكنت ضمن الحكومة، لكنت قلقًا». وروبيو، وهو كوبي–أميركي من الجيل الثاني في ميامي، يُعد من أكثر الأصوات تشددًا في الدعوة إلى إنهاء الحكم الشيوعي في كوبا. أما الرئيس دونالد ترامب، فذهب أبعد من ذلك حين قال إن كوبا «ستكون شيئًا سننتهي بالحديث عنه»، في عبارة فسّرها كثيرون بوصفها تلميحًا إلى تحرك قادم.
وبحسب «إيكونوميست»، تبدو كوبا اليوم أكثر هشاشة أمام ضغوط خارجية تهدف إلى تغيير النظام مما كانت عليه في أي وقت منذ أوائل التسعينيات، عندما انهار الاتحاد السوفيتي، راعيها الأكبر، ودخلت الجزيرة ما عُرف بـ«الفترة الخاصة» من التقشف القاسي. ولبرهة، عوّضت فنزويلا الغنية بالنفط هذا الفراغ، لكنها لم تعد قادرة على لعب هذا الدور. فسوء إدارة قطاع النفط الفنزويلي، إلى جانب العقوبات الدولية، أدى إلى تراجع شحنات النفط إلى كوبا بنحو ثلاثة أرباعها خلال سنوات قليلة، من أكثر من مئة ألف برميل يوميًا عام 2021، وهو ما كان يغطي نحو 80 في المئة من احتياجات الجزيرة، إلى نحو 16 ألف برميل فقط يوميًا في عام 2025.
اقتصاد ينهار ونظام يترنح
كانت كوبا تعاني اقتصاديًا حتى قبل هذه التطورات، لكن جائحة «كوفيد-19» جاءت لتُجهز على ما تبقى من قطاع السياحة، الذي كان قد بدأ يتعافى بعد تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما عام 2015. ومع التراجع الحاد في الإيرادات الأجنبية، انهارت الخدمات الأساسية. انخفض إنتاج الغذاء بشكل حاد بسبب نقص السيولة اللازمة لشراء الأسمدة والمعدات الزراعية، وجاءت الضوابط السعرية لتقضي على ما تبقى من حوافز لدى المزارعين.
تحولت أزمة جمع النفايات إلى واحدة من أكثر الشكاوى انتشارًا، بعدما تراكمت القمامة في شوارع المدن. أما الانقطاعات اليومية للكهرباء، الناتجة عن مولدات ديزل سوفيتية متهالكة ونقص حاد في واردات النفط، فقد جعلت الحياة اليومية على الجزيرة أقرب إلى معاناة مستمرة. ونقلت الصحافية الكوبية المستقلة يواني سانشيز أن مسؤولين كبارًا حُذّروا، في اجتماعات رفيعة المستوى نهاية عام 2025، من أن «الدولة لم تعد قادرة على تزويد كثير من المؤسسات حتى بالحد الأدنى من الموارد اللازمة لمواصلة العمل».
في خضم ذلك، دان مسؤولون كوبيون العملية الأميركية التي أفضت إلى اعتقال مادورو، واعتبروها «إجرامية». لكن مع انكشاف تفاصيل الهجوم، تبرز مفارقة لافتة: فالعملية شكّلت إخفاقًا كبيرًا لجهاز الاستخبارات والأمن العسكري الكوبي، الذي طالما وُصف بأنه أحد أعمدة حماية النظامين الكوبي والفنزويلي. وأعلنت كوبا أن 32 من جنودها وعناصر أمنها قُتلوا «أثناء مكافحة» الهجوم الأميركي، في حين أفادت القوات الأميركية بعدم تسجيل قتلى في صفوفها.
النفط… العقدة التي تهدد بقاء النظام
من المرجح أن تعيد هذه التطورات صياغة العلاقة بين هافانا وكاراكاس، ولا سيما في ملف شحنات النفط الحيوية. ويرى بافيل فيدال، الاقتصادي الكوبي في جامعة خافييريانا البابوية بكولومبيا، أن أي إعادة ترتيب لعلاقة فنزويلا بالولايات المتحدة قد تجعل علاقتها بكوبا مجرد «ورقة مساومة». ويحذر من أن كوبا، في حال فقدانها فنزويلا كحليف، قد تجد نفسها في فراغ جيوسياسي خانق، مع عزلة مالية أشد وعواقب اجتماعية يصعب تصورها.
لطالما دفعت هافانا ثمن النفط الفنزويلي عبر إرسال «ألوية طبية» ومستشارين عسكريين وأمنيين واستخباراتيين إلى كاراكاس. لكن في حال مضى ترامب في حديثه عن «إدارة» فنزويلا خلال مرحلة انتقالية، فإن القيادة الجديدة هناك قد تضطر إلى إعادة ما تبقى من المستشارين الكوبيين. ورغم إخفاقهم في حماية مادورو، فإن غيابهم قد يجعل فنزويلا أكثر هشاشة أمام صراعات داخلية وضغوط أميركية متزايدة.
ويظل النفط هو الهاجس الأول لكوبا. فدلسي رودريغيز، التي تلعب دورًا محوريًا في المرحلة الانتقالية الفنزويلية، تشغل أيضًا منصب وزيرة الطاقة. ورغم تقاربها الأيديولوجي مع كوبا، تشير تقديرات دبلوماسية إلى أنها كانت تبدي نفاد صبر متزايدًا تجاه ما تعتبره عجز هافانا عن دفع ثمن الوقود. وإذا توقفت الإمدادات الفنزويلية، يرى ريكاردو توريس، الاقتصادي الكوبي المولد في الجامعة الأميركية بواشنطن، أن من الصعب تخيل حليف قادر على سد هذه الفجوة.
صحيح أن كوبا تتلقى كميات محدودة من النفط من المكسيك وروسيا، لكن سكوت هاملتون، نائب رئيس السفارة الأميركية في هافانا بين عامي 2015 و2018، يعتقد أن الحزب الشيوعي الكوبي «قلق للغاية». ويضيف أن وقوع فنزويلا تحت الضغط الأميركي، إلى جانب تضييق محتمل على المكسيك، يوحي بأن كوبا قد تكون استنفدت مصادر النفط والرعاة معًا.
ورغم أن روسيا وإيران لا تبدوان قادرتين على تعويض نقص النفط بشكل مباشر، فإن موسكو تبقى، على الأرجح، الأمل الأكبر لكوبا في الحصول على شريان نجاة أوسع. فقد تعزز التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين في السنوات الأخيرة، ورست سفن حربية روسية في موانئ هافانا، ووقّع الطرفان اتفاقات دفاعية وتجارية، وتوسعت الاستثمارات الروسية في النفط والزراعة. وربما يكون هذا التشابك مع روسيا هو العامل الوحيد الذي يدفع ترامب إلى التريث، وهو الرهان الأخير الذي يبدو أن النظام الكوبي يعوّل عليه.
ومع كل هذا الألم، تبقى آمال المنفيين في ميامي محكومة بتاريخ طويل من الإحباط. يقول ينيير روميرو، حلاق في الثانية والأربعين غادر كوبا عام 2022: «نعم، كوبا في أزمة. لكنهم علّمونا دائمًا كيف نعيش بلا شيء». ومع ذلك، لا يموت الأمل بالكامل. فكما يقول جو غارسيا، عضو الكونغرس الأميركي السابق المولود في ميامي: «نحن نعيش في حساء كثيف من الحنين. نحمل قناعة بأن العدالة موجودة في النهاية، وأن الشيوعية لم تنتصر، وأننا لم نتوقف عن القتال، وأن هناك دائمًا من يحاول إيجاد طريق لإعادة الحرية إلى كوبا».

